زاجل الأسرى

رسالة أمل من… وإلى…

بقلم بهية النتشة 

تلك اللّحظة التي سمعت فيها أنّك تحفظ القرآن هي التي جعلتني أتمسّك بك رغم صغر سنّي، والنّور جعلني ألتمس السَكينة في ملامحك لتقرّبك من الله سبحانه. رغم صغر سنّي وتفوّقي الدّراسيّ إلاّ أنّي آثرتُ أن أكون لك في أخر فصل من الثّانوية العامّة، كلماتك الأولى لي لا أنساها: أحلم بصلاح الدّين، وأريد طفلي مثله.. وهنا عرفت يقينًا أنّني أحسنت الاختيار.

مضت حياتنا جميلة ورافقنا حلم تغيير هذا العالم، وترك بصمة وأن نكون نجمة في سماءٍ حالكة الظّلام، جهّزت الوصيّة في ستّ أوراق مكتوبة بتضحية وحبّ وذهبت لتدافع بما استطعت وما أوتيت من قوّة عن أرضك ووطنك وعقيدتك، وكنت نجمًا فقد آثرت الآخرة على الدّنيا، لتختار طريقا صعبًا سائلا الله القبول.

كان عصرًا خريفيًا تهبّ فيه نسمات باردة، وكأنّ الطبيعة تنبئني ببعدك، وتلقّيت الاتّصال تلو الاتّصال بذعر، سألوني عنك فعلمت أن هناك خطبًا ما قد ألمّ بك، كيف لي أن اُكذّب قلبي الذي ارتبط بك وبدأ يتمزق في داخلي، وكأنّ روحي في تلك اللّحظة كانت تخرج معك، والذي جعل خوفي يتصاعد أنّنا بقينًا لأيّام ثمانية بعد ذلك لا نعلم عنك شيئًا، وتارة تَردنا الأخبار عن استشهادك ثم تعود لتُحييك من جديد..

لم يكن سهلًا أن أمتلك كل ما أحبّ صباحًا وأمسي بطقم صلاتي مع قليل من النّقود، أترك خلفي منزلي الدّافئ لتحتضنني تلك النّسمات الباردة التي لم تدعني أشعر بالدّفء إلى الآن.

تحرّينا أخبارك كلّ يوم من خلال المحامي والطّبيب وحتّى وكالات الإعلام، إلى أن بدأت تلك المحاكمات الظّالمة التي تمتلئ حقدًا، وقفتَ في المحكمة شامخًا لا تنحني، مبتسمًا إذ نظرت إلى القاضي، وتدمع عيناك إذا نظرت إليّ، خليط من دمعة وابتسامة كان يغوص في أعماقي يوصل الكثير من الكلام والمشاعر، كنت تتغلغل فيّ حتى أنّني أحسست بأنّ روحك داخلي، تلك الابتسامة التي أثارت حقد القاضي الذي تخبّط في غيظه معلنًا مئة عام أخرى من الحكم بغية مسحها، فلم تكن المئة عام الأولى لتشفي غليله وأضاف إليها أربعة مليون شيكل متعذّرًا بأنّك لم تقدّم طلب استرحام، ولكنّك رددت بابتسامة أكبر قائلًا: "ليش؟ أأنتم باقون مئتي عام؟!" وأخرست القاضي بالآية القرآنيّة: "اقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا"، أمّا أنا فكنت أشعر بالرّضى.

لم تثنك العمليّات الكثيرة بعد تلك الرّصاصات السّتّ عن الابتسام، لم تمنعك تلك الرّصاصة التي لا زالت في جسدك من أن تضحك فيخرّ لك جبروتهم وكبرياؤهم المزيّف.

تعافيت بعد ثمانية أشهر مريرة، وقد كنت من قبل جسدًا غائبًا عن الحياة، فكنت الشّهيد الحي، كتب الله لك الحياة لتكمل رسالتك التي أردت، رسالة التّميّز والتّغيير.

أنت نجم ولا زلت تزداد سطوعًا بتفاؤلك الذي تحار له العقول، من أين تأتي بهذه الثّقة التي تحملك أن تقول في كل مرّة تراني فيها: "والذي خلق الأرض ورفع السّماء إنّي حر قريبًا وقريبًا جدّا، أراه أمامي والله!".

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى