مذكرات أسيرواقع السجون

وفاء الأحرار… ذاكرة حياة

 

بذاكرة المحرّر ضرار محمد الحروب

عندما تمسك القلم لتكتب عن صفقة وفاء الأحرار يرتعش ذاك القلم بين أناملك ليس خوفا من حروف النّصّ أو تعابير السّطور وإنّما استحضار تلك المشاعر الدّفّاقة له رهبة ترجف لها جوانب الرّوح وتهتزّ لها نياط القلب.

قبل ستّة أعوام  كان الحلم يتحوّل إلى حقيقة، وسأكتب في هذه السّطور القليلة مشاهد منه…

سنوات السّجن الطّويلة تجعل الأسير يعيش في عالم لامتناه يحاصره فيه عدوّه من كلّ جوانبه فعليه أن يتسلّح بإرادته ويتحصّن بحلمه ويحارب على قاعدة ” أكون أو لا أكون” فعندما تتّحد الذّات مع ذات الوطن يصبح الصّمود واجبا والحلم بذلك إيمانا.

أذكر عندما بُلّغت باسمي في قوائم الحرّيّة كنت في زنزانة (79) في قسم (13) بسجن نفحة الصّحراوي في تلك الزّنزانة تجمع كلّ مناطق فلسطين فمن غزّة إلى القدس إلى الضّفّة الغربيّة حيث كان نصيب هذه الزّنزانة أربعة من ساكنيها يخرجون إلى نور الحرّيّة ومن بقي من ساكنيها على ذمّة الحرّيّة في الانتظار، في تلك اللحظة امتزج البكاء بالضّحك والحزن بالفرح بمشاعر متناقضة وأنت تودّع رفاق الأسر والدّرب والمحنة، تبكي وتضحك في نفس الوقت، أتصبّرهم أم تواسيهم؟ إلاّ أنّنا وجدناهم يصبّروننا ويشدّون على أيدينا قائلين أنتم سفراؤنا للعالم، أنتم جزء حيّ من قلوبنا غادرنا ليكشف للعالم أجمع مشاهد الموت البطيء في مدافن الأحياء، فلم ولن تنسى الذاكرة أشرف الزغير ولا جمال الهور ولا معمر الشّحروري ولا محمّد زايد ولا رامي حجازي والقائمة تطول.

أذكر عندما وصلت إلى بوّابة القسم لأجد نفسي وجها لوجه مع ذاك السّجّان الدّرزي المدعوّ “سليم” الذي كان دوما يضحك مقهقها عندما يسمع الأسرى يتحدّثون عن حرّيّتهم وحديث الحرّيّة المقدّس، فيقول لهم:”ستخرجون في أكياس بلاستيك سوداء” كناية عن بقائهم هناك حتّى الموت ولن يخرجوا إلاّ جثثا، وجدته أمامي في تلك اللّحظة الفارقة فصرخت فيه:” سليم ها قد خرجنا أحياء أعزّاء دون أكياس البلاستيك السّوداء”، فما كان منه إلاّ أن أخفض رأسه في الأرض دون أيّ كلمة وعلامات الحقد والقهر بادية عليه.

أذكر وداعنا لبعضنا في سجن النقب وقد تمّ تقسيم الأحرار إلى ثلاثة أقسام: قسم إلى الضّفّة الغربيّة وقسم إلى خارج فلسطين وقسم آخر إلى قطاع غزّة، فكانت بمثابة عهد ووفاء لنقل الرّسالة أينما انتثرت تلك النجوم لتضيء سماء قضيّة الأسرى في ظلام العالم البهيم.

أذكر مشهدا آخر عند دخولنا حافلات الحرّيّة بإشراف منظّمة الصّليب الأحمر الدّولية التي ستنقلنا إلى أماكن الإبعاد، صعدت إلى الحافلة مندوبة الصّليب الأحمر وبرفقتها ضابط من جيش الاحتلال الصّهيوني ليسأل: هل بقي لأحد منكم شيء في الأمانات عندنا؟

فيقف أحد المحرّرين وقد أمضى أكثر من سبعة عشر عاما في الأسر على خلفيّة عمليّة بطوليّة قام فيها بقتل ضابطا صهيونيّ بسكّين، وقال للضّابط: أنا لي أمانة لم تعطوني إيّاها

فيسأله الضّابط الصّهيوني: ما هي أمانتك؟ وفتح الملفّ الذي يحمله.

ويردّ المحرّر: السّكّين التي قتلت بها الضّابط….إنّي أريدها

وحينها يبدأ جميع المحرّرين في الحافلة بالضّحك والتّكبير، وساد الوجوم وجه الضّابط ولم ينبس ببنت شفة، ثم نزل من الحافلة وبدأ يلكمها من الخارج بيده لتفريغ قهره.

وتنطلق رحلة الحرّيّة لتكون وفاء الأحرار الأولى شعاع أمل لمن بقوا خلف الأسوار … وللحلم بقيّة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى