حروف على أعتاب الحرية

منظّمة التّحرير وإعادة الاصطفاف

بقلم : الأسير إسلام حسن حامد

وُجدت منظّمة التّحرير منذ البداية تحت مظلّة مراكز قوى إقليميّة ودوليّة كانت لها السّيطرة على محاور المنظّمة وتوجّهاتها. وفي كل مرحلة تغيير داخل المنظّمة تتدخّل  هذه القوى لصرفها نحو الجهة التي تريدها، فهي صاحبة الدّعم المالي والسّياسي لأبرز أعضائها ومحاورها بارزة، ولها أيضا كلمة الفصل في كلّ مرحلة.

لكن وفي كلّ مراحل المنظّمة المتقلّبة، كان هناك إجماع عند القوى الدّاعمة -أو المشغّلة- على رواية تقول أنّ هناك ماردا إسرائيليّا يجب أن يتمّ الحياد عنه والتّفاعل معه بعيدا عن عقليّة المواجهة، فأصحاب نظريّة المواجهة قد جرّبوا حظوظهم مع الكيان الصهيوني، وأُفشِلوا أو فشلوا -ذاتيّا- في إدارة الصّراع.لذا كان يرتفع صوت العدميّين من أتباع القوى الإقليميّة، وذلك استجابة لداعميهم، بأنّ الحوار والسّلام والتّفاهم والتّعايش مع الكيان الصهيوني هو الطّريق العقلاني المنطقي.

وفي خضم الجدل بين التّيّارات المتصارعة كان يتمّ إظهار الفريق العقلاني -بفضل الدّعم المالي والسّياسي- على الفريق الرّاديكالي. وفي كثير من المراحل كان يتمّ الاشتباك المباشر بين محاور المنظّمة، الذي تحصل فيه الخسائر ، وعلى رأسها الابتعاد أكثر عن التّحرير، وتمزيق النّسيج الوطني الفلسطيني. ويبقى الرّابح أوّلاً وأخيرا هو الاحتلال الصّهيوني. لذا وفي حالات كثيرة كان الاحتلال يتدخّل بعمليّات إغتيال مركّزة للقيادات الرّاديكاليّة في المنظّمة، فيخلو الطّريق لأتباع حلفائهم من قوى إقليميّة أو دوليّة مشغّلة للمنظّمة أو محاور بعضها على أفضل تقدير. والأسماء البارزة والتي لا تسع هذه السطور لذكرها، أصبحت من المعلوم بالضّرورة في التّاريخ الفلسطيني المعاصر. وعليه كان يتمّ إظهار القيادات “العقلانية” إن صحّ التّعبير، والتي تسعى لحلّ الصّراع الدّائم والبشع بين الصّهيونية والعرب. هذا ما أراده المحتلّ الصهيوني دائما ومن معه من قوى إقليميّة ودوليّة، وتمّ لهم ذلك على الأقلّ بما يخصّ منظّمة التّحرير الفلسطينيّة وبعض الدّول العربيّة.

واليوم نشهد مرحلة تغيّر وإعادة اصطفاف القوى داخل المنظّمة حسب ما تراه الإدارة الأمريكيّة وأتباعها من العرب في المنطقة. بدأ هذا الحراك منذ أن تغيّب رئيس المنظّمة محمود عبّاس بشكل طارئ للعلاج، ممّا أثار تساؤلا مصيريّا بالنّسبة للمنظّمة من يخلف محمود عبّاس ويسيطر على المهامّ والمواقع .

وهنا ظهر على السّطح الصّراع الدّاخلي بين أقطاب حركة فتح، فمن سيرث قائد الحركة ورئيس المنظّمة المثقل بالأمراض وبسنوات العمر الطّويلة. وفي حين كان محمود عبّاس يصارع  المرض القاتل من أجل البقاء وخدمة شعبه -كما يقول- كان النّقاش المحتدم في الخفاء بين مراكز الثّقل في حركة فتح حول كيفيّة تقسيم الكعكة!! وظهرت في تلك الفترة أسماء وشخصيّات ومراكز جديدة، فدار الحديث عن استلام قائد جهاز الأمن الوقائي السّابق”جبريل رجوب” صاحب التّاريخ المعروف بالولاءات الخارجيّة والإقليميّة قيادة منظّمة التحرير الفلسطينية خلفا لمحمود عبّاس. في حين يتمّ توكيل محمود العالول برئاسة حركة فتح، وإبقاء صائب عريقات في أمانة سرّ اللّجنة التّنفيذيّة للمنظّمة، وإدخال عزّام الأحمد لمكوّنات الحكومة ورئاستها.

وهي تقسمات قد يكون لها جانب من الصّحّة أو قد تكون مجرّد أمنيات للبعض. لكن وعلى ما يبدو أنّ لها نصيبا من الصّحّة، ففي  الأيّام الماضية تمّت إعادة تعيين صائب عريقات رئيسا لشؤون المفاوضات، بعدما استقال منها بعد فضيحة الوثائق السّرية قبل سنوات على فضائيّة الجزيرة، وتسليم الدّائرة السّياسة لحنان عشراوي، والتي كان يرأسها سابقا المناضل الوطني أ. اللّطف والذي كان  ومازال يرفض مشاريع التّسوية والاستسلام التي تبرع فيها قيادات منظّمة التّحرير، وإقالة القيادي في الجبهة الدّيمقراطيّة تيسير خالد من دائرة المغتربين بعدما انتهت حركة فتح من الاستغلال الكامل للجبهتين الدّيمقراطية والشّعبيّة على السّواء وتسليمها للقيادي الفتحاوي نيبل شعث، وإعلان نبيل أبو ردينة نائبا لرئيس الحكومة الفتحاوية حكومة الحمد الله. والأهمّ من ذلك كلّه إقالة رئيس هيئة شؤون الأسرى عيس قراقع -بسبب اعتراضه على قطع  رواتب أسرى قطاع غزّة كما قيل- عدا عن كونه من أنصار القيادي الفتحاوي مروان البرغوثي والذي يقبع في الأسر منذ سنوات طويلة، والمحكوم عليه بالمؤبّد لأكثر من مرّة؛ وتوكيل القيادي السّابق في جهاز الأمن الوقائي -نائب جبريل الرجوب في حينه- اللّواء قدري أبو بكر، بدلأ من “قراقع” في رئاسة شؤون الأسرى  مع تعديل أيضا في أعضاء وشخصيات اللّجنة القياديّة لهئية شؤون الاسرى ،والملاحظ من الأسماء الموجودة ،يتيقن بأن الأعضاء ما هم إلا أتباع لجهازي الأمن الوقائي والمخابرات العامّة.

وهنا نتساءل لماذا تمّ إبعاد انصار فكر الصّمود والمقاومة من داخل أطر المنظّمة والسّلطة وإحلال بدلاً منهم أتباع الأجهزة الأمنيّة وعلى رأسهم أتباع جبريل الرجوب؟؟ ومع كلّ هذه التّغييرات هل هناك إمكانيّة لعودة الاشتباكات بين أقطاب فتح تحديدا والمنظّمة بشكل عامّ من أجل فرض السّيطرة على الواقع والمراكز؟

هذا ما أظهرته إعادة الاصطفاف وتجميع المراكز السّياسية والأمنيّة والخدماتيّة بيد الشّخصية الأقوى والأوفر حظّا جبريل الرجوب.

وكما سمعنا من مصادر مطّلعة على الشّأن الدّاخلي للمنظّمة وسلطتها في رام الله عن اجتماعات دائمة ومستمرّة بين جبريل الرجوب ورئيس المنظّمة محمود عبّاس ومستشاريه لإعادة  توزيع المراكز بما يلائم صفقة القرن والتي تعتبرها حركة فتح النّموذج الممكن خلال هذه المرحلة السّياسيّة بعدما تمّ استنفاد مشاريع أوسلو وخارطة الطّريق وغيرها والتي أوصلتنا من خلالها إلى الحضيض.

فمن خلال هذه الاتّفاقات تمّ ضياع القدس ودفعها عن طاولة التّفاوض وجعلها عاصمة للكيان الصّهيوني، وتوسيع الاستيطان بشكل كبير في الضّفّة الغربيّة، بفعل حماية أجهزة أمن السّلطة للاحتلال الصّهيوني ومكوّناته في الضّفّة الغربيّة من خلال وأد المقاومة وصدّها بكلّ السّبل والأشكال. وفرضت المنظّمة حصارا مطبقا على قطاع غزّة المقاوم، من أجل حرف مسارها عن طريق العزّة والكرامة إلى طريق المنظّمة، طريق الخسّة والنّذالة.

وكما أنّ هناك إعادة اصطفاف داخل محاور منظّمة التحرير، يقوم الشّعب الفلسطيني ومن يمثّله من فصائل بإعادة ترتيب البيت الفلسطيني الدّاخلي والتّأكيد على المسار الصحيح، مسار البندقيّة نحو القدس، وما صمود قطاع غزّة أمام كلّ المؤامرات، وعمليّات الشّهادة والدّم في الضّفّة الغربيّة، إلاّ تأكيد على الالتزام برسالة المقاومة والتّحرير.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى