أدب وفنونحروف على أعتاب الحرية

إنّي لأشمّ ريح يوسف

بقلم : بسمة عنان


يا دمعًا في ظلمة اللّيل، يا جرحا نازفا في خاصرة الوطن سيأتي البشير ويرتدّ الوطن بصيرا.
خمسة عشر عاما من الأسر في غرفة ضّيقة، متّسخة عفنة جدرانها، غليظ سجّانها، لها شباك كأنّها فتحة في تابوت يمنحك خيط ضوء …
بإيجاز إنّه الموت على قيد الحياة.
عندما يحرم حسين من وضع رأسه على كتف ابنه الوحيد سينزف الجرح ويبكي عمر وليده الضّائع في كلّ عام يكبره رامي يأخذ جزءا من قلب والده. 2003 هو عام الحزن لكليهما، لجسد فقد روحه ولأب فقد سنده إذ وقع رامي حجازي أسيرا في سجون الاحتلال .
كيف لأب لا يذوب ألما وهو يشاهد حياة وليده كقطعة جليدية تذوب شيئا فشيئا؟ زيارة واحدة لا تتجاوز العشر دقائق هي نصيب الأسرى مع ذويهم، وحلم الواحد منهم أن يلامس يد والده أو ابنه فيحول بينهما شباك زجاجي يحمل ملامح عدوّنا إذ يقسو علينا ويترنّح على أحزاننا.
“كيف حالك ابني والله مشتاقلك”هي بداية كل محادثة ونهايتها  ثم تقطع العبارة وتنتهي الّزيارة …في هذه اللحظة ستتمرّد الدّموع على القلب لتعلن انتصارها عليه ويرجع القلب منكسرا جارّا أذيال هزيمته.
في سكون اللّيل وظلمته، الجدران هي نديم الأسرى في وحشتهم، وهي من تسمع أنّاتهم وترى تلألأ الدّموع في أعينهم، تسمع تبادل الدّعوات بين الأسير وأمّه وأبنائه، ولعلّها ترى وجه الأمّ مغطّى وجهها بتجاعيد كأنّها خارطة الوطن في دعواتها تعدل بين الوطن وابنها وهي تهمّ بالصّلاة فيكون ونيسها يوسف ويس، يلهج لسانها بالدّعاء لوليدها أن  يحميه الله ويكلؤه برعايته.
لا شيء، أمّي، أبي، زوجتي، ابني، وحيدي، سأكتفي باسترجاع صوركم في مخيّلتي، سأرسمكم في أبهى صورة، سنتحدّث جميعا ونمازح بعضنا وتربّتون على كتفي.
الله لقلوبنا جميعا، إنها فاتورة التحرير لا تشترى بثمن بخس ولا يظفر بها كلّ متهاون متخاذل ومن يستحقها هم أهل التضحية فقط، أسير لبث في سجنه بضع سنين ثم خرج والنور في عينيه قد خفت، لكن نور قلبه راسخ رسوخ الجبال العاتيات، هذا من يستحق هذه الفاتورة.
لو سألنا أهل الّتجارب المريرة من الأسرى عن الأسر لأجابونا بكلمة واحدة “الحرية لا تقدر بثمن”.
صدقتم أسرانا، ما بالكم برجل لم يرَ ابنه منذ ولادته وقد كان يتمنّاه سندا له إذا اشتد الدهر، كان يتمناه رجلاً يستند عليه في المشيب، وجاء المشيب والعين لم تكتحل برؤيته بعد.
يا شوقهم لصوت مؤذّن الفجر وتغريد عصافيره أن الصّبح آتٍ آت،  يا شوقهم لرائحة التراب بعد أن يتبلّل بحبّات المطر.
ويُسأل ابن الأسير عن أمنياته فيجيب “بدي كل الأسرى يطلعوا مش بس بابا …” الآه تتلوها الآه أطفال الأسرى هم رجال أنضجهم الفراق.
وآخر لم يبلغ الخامسة عشر من عمره لازال بحاجة إلى حنان أمه وأبيه، نزع غرسة ناعمة  من حضن والديه إلى أن أصبح في سجنه شجرة طيّبة أصلها ثابت وقلبها لربّ السّماء.
نعم هم أرادوا منهم أن يصبحوا مختلّين عقليا بأحكام قاسية ظالمة فرضوها عليهم: الإداري، الزّنازين، وحرمانهم من زيارة ذويهم. لكن وبإرادة الله ومن ثمّ قلوبهم الشّامخة فنراهم يكملون تعليمهم ويخرجون من السجن رجالاً أقوياء، وقد ختم كل منهم القرآن أو انتهى من تخصّص أو أصبح مسؤولاً ورئيسا، وهكذا يكون المحتلّ الخاسر في كلّ طرقه و ألاعيبه الماكرة
يا وطني أقفاص الحمام فيكَ ستحطّم وهديلها سُيسمع من أعالي الجبال، كلنا أحرار نهيم إلى تحريرك شوقا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى