عين على السجونواقع السجون

الشّتاء يقرع أبواب السّجون

بقلم: فاطمة القاضي



بين أربعة جدران باردة وباب حديدي، يمكث سبعة آلاف أسير فلسطينيّ، كلّ واحد منهم على سريره في غرفة أشبه ما تكون بـ”الثّلاّجة”، يستذكرون شعلة النّار التي كادوا أن ينسوها، وأيّامًا كانوا فيها بين عائلاتهم، فتلفح وجوههم نسمات الهواء الباردة، وتذكّرهم بأنّ عليهم شدّ الغطاء الشّتوي أكثر، هذا إن كان متوفرًا.
ويخشى الأسرى اقتراب فصل الشتاء، فخلال أشهره الأربعة تزداد معاناتهم، وينتشر المرض بينهم، ويقفون أحيانًا كثيرة عاجزين عن تقديم المساعدة لرفاقهم المرضى والمصابين الذين تزداد أوجاعهم بسبب البرد القارس.
عشرون شتاءً قاسيًا، مرّت على الأسير المحرّر عصمت منصور، وهو في سجون الاحتلال، تنقّل خلالها بين غرف السّجن والخيام. يقول خلال حديثه إنّ المحقّقين يستغلّون الجوّ البارد كأسلوب للتّعذيب، إذ يجبرونك على تبديل الملابس الثّقيلة وارتداء ملابس خفيفة، ويتعمّدون تشغيل التّبريد ووضعك في زنزانة توجد فتحات في سقفها.. “كنت طيلة الوقت أرجف”.
في داخل الأقسام تكون الرّطوبة عالية، ودرجة الحرارة منخفضة جدًا، ولا وسائل تدفئة بالطّبع، فيما تتضاعف معاناة الأسرى الذي يقبعون في الخيام. ويستذكر منصور عندما هبّت رياح شديدة عليهم بينما كانوا داخل خيام سجن النقب، إذ حاول الهواء اقتلاع خيمة مجاورة لهم يقبع بداخلها حوالي 20 أسيرًا، فخرج كلّ الأسرى في محاولة للسّيطرة عليها دون أن يتسبّبوا في تمزقها، وبدأوا يضعون مقتنياتهم على أطرافها. وفي إحدى المرّات هطلت الأمطار ودخلت المياه إلى الخيام، اضطرّ الأسرى في حينها لرفع كل أغراضهم عن الأرض ووضعوها على مقاعد خشبيّة.

ويعتبر منصور العدد أصعب اللّحظات في الخيام، إذ يضطرّ الأسرى للخروج ثلاث مرّات يوميّا حتّى تأتي إدارة السّجون وتعدّهم، وهذا الإجراء يحتاج لعشرين دقيقة، فمن تحت الأغطية والدّفء يخرجون إلى البرد والمطر، وفي أحيان كثيرة يتعمّد الضّابط أن يتأخّر، وهذا الإجراء قد يطول لساعة عند وجود أسير مريض إذ يتمّ استدعاء قوّة أكبر ويتمّ إجبار الأسير على الخروج.
وعلى الرّغم من أنّ إدارة السّجون كانت تحدّد كمّية الملابس ونوعها ولونها، فإنّ الأسرى كانوا يتغلّبون على البرد بارتداء قطع كثيرة من الملابس أو وضع الأغطية الشّتويّة فوقهم والتزام السّرير، كما كانوا يتضامنون مع المرضى ويزوّدونهم بملابسهم وأغطيتهم.
أمّا داخل الغرف، فيُمنع إدخال أيّ وسيلة للتّدفئة، لذلك كان الأسرى يشعلون “البلاطة” التي كانوا يعدّون الطعام عليها وهي تعمل على الكهرباء، ويشير منصور إلى أنّه وفي أحد المرّات أشعل الأسرى البلاطة الكهربائيّة، ووضعوها أسفل سرير أحد الأسرى من كبار السّنّ، وبقي أحد الأسرى يسهر إلى جانبه.
ومن المواقف الصعبة التي عاشها منصور، عندما كان يرى أسرى كبارا، قاصرين، وأسيرات ينقلون إلى المحاكم في البوسطة، ومنهم من كان يقع أرضًا بسبب تقييد قدميه، ما يؤدّي لابتلال ملابسه.
وفي أقسام الأشبال تكون المعاناة مختلفة، فقد تمّ اختطاف أولئك الأطفال وانتزاعهم من وسط عائلاتهم إلى السّجن، لذلك فهم بحاجة إلى من يرعاهم ويخفّف من أوجاعهم وأحزانهم، فمعظم الأطفال الذين يتمّ اعتقالهم يمضون أشهرا في سجون الاحتلال.
موسى حامد أمضى 12 عامًا في السّجن، كان ممثّل الأسرى الأشبال في سجن عوفر لثلاث سنوات، يؤكّد أنّ وسيلة التّدفئة الوحيدة هي الأغطية الشّتوية، رغم أنّهم كانوا يواجهون نقصًا في الأغطية والملابس. ويضيف أنّ إدارة سجن عوفر لم تكن تكترث للبرد القارس والأمطار عند إجراء الفحص الأمني، ففي عام 2015 كانت الثّلوج تهطل ورغم ذلك طلبت من الأسرى الخروج إلى السّاحة لإجراء الفحص، ورغم حديث موسى مع الضّابط وطلبه باستثناء الأشبال من الخروج لأنّ ذلك سيعرّضهم إلى المرض، فإنّ الضّابط ومدير السّجن رفضا ذلك.
ويعتبر موسى أنّ وضع الأسرى الجرحى هو الأصعب خلال الشتاء، فأحد الأشبال المصابين برصاصة في الرّأس كان يصرخ من شدّة الألم بسبب البرد ويضرب رأسه بالحائط فما كان من موسى والممثّلين إلاّ أن حمّلوا إدارة السّجن مسؤوليّته وطلبوا نقله للعيادة، وهناك أعطوه مسكّنًا للآلام، وعند إعادته سمحوا للأسرى بقصّ غطاء شتوي وصنع طاقية له لتدفئة رأسه.

ولئن كانت معاناة الأسيرات في سجنيْ هشارون والدّامون في فصل الصيف بسبب الموقع الجغرافي، فإنّهن يعانين في الشّتاء من تسرّب مياه الأمطار إلى داخل الأقسام، ونقص الأغطية في حالة الاكتظاظ داخل الغرف. وفي هذا السّياق تقول النّائب في المجلس التشريعي خالدة جرّار “إنّ غالبيّة الأسيرات يقبعن في سجن هشارون القريب من نتانيا، لذلك تواجه الأسيرات مشكلة بدخول مياه الأمطار إلى الغرف، أمّا الدامون الواقع على جبل الكرمل فهو بارد جدًا”.
وتضيف جرار أنّه في أحد الأيّام الماطرة دخلت المياه إلى الغرف بكمّيات كبيرة، ما أدّى إلى تبلّل كلّ المقتنيات حتى أنّ الأسرّة المرتفعة قد وصلتها المياه، واضطرّت الأسيرات إلى فتح الصّرف الصحي وإزالة المياه، فما كان من إدارة السجون إلاّ أن نقلتهنّ إلى سجن الدامون.
وفي أواخر فصل الشتاء الماضي سمحت إدارة السّجون بإدخال “صوبة” كهرباء صغيرة لأقسام الأسيرات، غير أنّها لم تحل مشكلة البرد، فواصلت الأسيرات الاعتماد بشكل أساسي على الأغطية الشّتوية التي يقمن بشرائها من “الكانتينا” إذ يبلغ سعر الغطاء الواحد حوالي 70 شيقلًا.
وتشير جرّار إلى أنّ المعاناة الأساسيّة كانت عند نقل الأسيرات في البوسطة، حيث يتمّ تقييدهنّ فيمضين ساعات طويلة داخل السّيّارة والزّنازين الباردة جدّا، ولا يتمّ استثناء الأسيرات المريضات والمصابات فقد كنّ ينقلن في نفس الوسيلة، وهو ما جعلهنّ يرفضن في أحيان كثيرة مراجعة المستشفى لإتمام العلاج.

إنّه فصل الشّتاء الذي يقرع أبواب السّجون لتنفتح بقدومه صفحات جديدة من معاناة الأسرى الفلسطينيّين في سجون الاحتلال الصّهيوني.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى