زاجل الأسرىكي لا ننسى

سارقة الإنسان من الإنسان .

 

بقلم: عمار خضر 

 

كثيرا ما نكتب عن الأسرى والسجون، وكثيرا ما نتحدث عن العذابات التي يعانيها الأسرى، ورغم كل هذه الكتابات التي تحكي عن معاناة الأسرى إلا أننا ما زلنا نكتب بالقشور دون الغوص بالأعماق، نكتب عن البعد والحنين والاشتياق والفقد والحرمان، لكن.. كل هذه المعاناة قد يعيشها الإنسان خارج السجن أيضا، إلا أنّ الفرق الوحيد أن الأسرى يعيشونها مركزة مكررة ثقيلة دائمة ، فحياتهم عبارة عن معاناة، يحاولون استراق الفرح كمن يسترق السمع فتنهال عليه شهب المعاناة من كل حدب وصوب.

اليوم سنخرج عن المألوف؛ سنكتب عمّا لا يُكتب أو كتب عنه القليل.

فما هو الإنسان؟ هو جسد وروح أحداث ومشاعر…. فماذا يفعل السجن به؟

 

لو نزعنا من الورد رائحته، ومن النحل جنيه للعسل، ومن الليل النجوم والقمر، ومن النهار الضياء، هل تبقى هذه الأشياء بجمالها؟فما قيمة الورد من غير عطره؟ وما قيمة النحل من غير عسله؟ وما هو جمال الليل من غير نجومه وقمره؟ وما فائدة النهار من غير نوره؟ .

أتدرون؟..هذه واحدة مما يفعل السجن بالسجين وهذه أبسطها، قد تُسجن وعمرك عشرون عاما ثم تقضي في السجن أعواما ولا تشعر أنك كبرت، يتوقف الزمن عند هذه النقطة، فلا تدرك أنك أصبحت ابن الثلاثين إلا بالأرقام دون الشعور بذلك، وكأن هذه السنين تختفي دون أن تشعر ، وكأن كل هذه الأعوام لم تمر ، فأنت كابن العشرين مع أنك أصبحت ابن الثلاثين، ليس حلما بل حقيقة، أعوام من عمرك تُسرق، وجسدك يشيخ، لكن هذه الأعوام لم تعشها ولم تحياها، بل كانت تُسرق منك، أعوام تكبر فيها دون أن تعيشها، يشيخ جسدك، ويكبر عقلك لكن نفسك لم تقنع بهذه الحياة فكأنك تشطبها من سجل العمر .

قد يُسرق من الإنسان المال، ويُسرق منه المتاع، لكن هل رأيتم إنسانا تُسرق منه مشاعره؟ فما قيمة المال مقابل الحُب؟ ما قيمة المال مقابل الاشتياق؟ ما قيمة المال مقابل السعادة؟ ما قيمة المال مقابل الحزن؟ وما هو الإنسان من غير هذه المشاعر كلها؟.

المشاعر غذاؤها التجدد؛ فإذا لم تتجدد شخت وهرمت، فهناك اشتياق دائم، حنين دائم، حزن دائم، فقدٌ للأحباب بشكل دائم.

فهناك يبني الأسير في كل قسم يوضع فيه شبكة من العلاقات مبنية على المحبة والأخوة والصداقة، فما يلبث، حتى تقوم إدارة السجون بنقله فيحزن لفراقهم، ويحزن للبعد عنهم، ثم يدخل قسما آخر ؛ فيبني علاقات جديدة، فيُنقل من القسم أحبابُه وأصدقاؤه وهكذا دواليك إلي أن يعتاد الفراق، فلا تعد تفرق معه من يفارق ومن يلتقي. 

والعلاقات في السجون علاقات قوية تضاهي العلاقات المبنية على الدم، بل تجدها في بعض الأحيان أشد وأقوى هذه العلاقات صاغتها المحن، وصنعتها الشدة 

في ظل هذه الأجواء، وهذا فراق آخر فوق الفراق الدائم للأهل والأحباب خارج السجن.

وفي ظل هذه الأجواء من الحزن والحرمان والحنين والاشتياق والعذاب والنكد تستخدم النفس إستراتيجية عنيفة ومتوحشة حتى يستطيع الإنسان الاستمرار بهذه الحياة داخل السجن، إنها إستراتيجية شطب المشاعر، فيصبح الأسير عبارة عن آلة خاوية من المشاعر، لكنه إنسان وهو من أنبل وأعظم الناس يحزن لهذا الحال، فترونه في بعض الأحيان يبكي لأنه فقد الإحساس بالحزن ويبكي لأنه فقد الإحساس بالاشتياق ويبكي لأنه فقد الإحساس بالحنين، هذا بكاء ما بعد الحزن والحنين والاشتياق وما بعد الحب وهو أشد أنواع البكاء قسوة وحرقة.

فهل أدركتم ماذا تفعل السجون بالإنسان؟إنها تسرق الإنسان من الإنسان .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى