الأردنشؤوون الأسرى

حين يصبح القبر سجنا لصاحبه…أسرى شهداء بلا أسماء وبلا عناوين

 

كتبت: حياة أنور

 

أتخيّله واقفاً قرب قبره إن كان له قبر، يمسح على اللّوحة المعدنية التي غرزت في المكان غبار 49 عاماً من الاحتجاز، يمسح جاهداً ثم يجد رقماً ما، يحدّث نفسه: ألا يفترض بشواهد القبور أن تكون من الحجارة؟ ألا يفترض أن تزرع زهرةٌ واحدة لأجلي هنا؟ ألا يجب أن تزورني والدتي مرةً في الأسبوع مثلاً؟ إن كان استغنى عن هذا الحق فماذا عن اسمه، لم يعلو اللوحة رقمٌ دون اسم؟ أو أتخيله مجدداً يقف فوق ردم المغارة التي خاض فيها حربه الأخيرة، ويبحث عن نصبٍ ما يذكر المارين بصوت رصاصاته التي أطلقها وبرائحة دمه المتناثر في المكان، يبحث طويلاً فلا يجد.

ثم أتخيّله شابّاً في التّاسعة عشر من عمره، يقطع نهر الأردن صعوداً خلال الأغوار ثم إلى داخل أراضينا المحتلة في مسيرٍ لا يمكن لأي عقل أن يتخيلها، أراقبه من بعيد ورفاقه العشرينيين والأصغر، يفتحون حقائبهم ليخرجوا طعاماً بعد مسيرة أيام، معلّباً، يفترشون الأرض ويأكلونه كأنه لحمٌ وفاكهة، ثم يجمعون أغراضهم ويواصلون المسير، يحفظون دهاليز البلاد، جبالها صخورها ذرّات ترابها حتّى.

ثم أتخيّلهم مرّةً أخرى كلهم يقفون أمام نصبٍ تذكاري لجنود الاحتلال يخلّد أسماءهم، ومقبرة تاريخية لهم تعتبر مزاراً لعائلاتهم وفخراً لها، ثم يدورون برؤوسهم كلّ أرجاء بلادهم، يمرون بجانب زهرة القندول التي يحبّونها أسفل وادٍ في الأغوار، لا زالت هناك، ربّما تقرّر أن يكون لهم نصبٌ هنا، لكن لا ليس من نصب، يكملون بحثهم، صوب الجبل حيث قصفوا بالمدافع، ربّما النصب هنا، لكن مجدّداً لا، محض حجارةٍ متراكمة تشهد على أوجاعهم، يقرّرون أن ينزلوا بمغارةٍ حوصروا فيها ربما قررت مجموعة صبية يحبّون بلادهم ويجولون أرضها أن يزرعوا لهم شجرة صنوبر هناك ويعلقوا لوحةً خشبيةً لهم، وتحفر أسماءهم عليها، لكن مجدداً، لا لوحة ولا شجرة.

الضائعون في بلادهم..

لا يصنّف السّجن كمكانٍ وحيدٍ يتواجد فيه الأسرى الفلسطينيون، هناك في البلاد الضائعة يوجد نوعٌ آخر من السّجون، سجونٌ تتشابه مع السجون العادية، يعطى فيها السّاكن رقماً ما، وحفرةً يجلس فيها تسمّى لحداً أو غرفة أو ثلاّجة أو حتى ركام حجارة، يختلف الأمر قليلاً ربما بأن لا زياراتٍ فيه ولا محاكم، ترفع قضاياه حين الاتفاق على أمل بصفقة تبادل جديدة وينتظر الباقون أدوارهم.

تعمل الدائرة القانونية في مركز القدس للمساعدات القانونية في فلسطين وضمن حملة استرداد جثامين الشهداء المحتجزة والكشف عن مصير المفقودين بشكلٍ متواصل للكشف عن مصير الشهداء المحتجزة جثامينهم في ثلاجات الاحتلال وفي مقابر الأرقام والمفقودين منهم.

يوضّح المركز في توثيقه المنشور بأن دائرته القانونية حين إرسالها لمجموعة من المراسلات القانونية للحصول على معلومات موثّقة من الجهات المختصة التابعة للاحتلال حول أعداد جثامين الشهداء التي ما زالت محتجزة في مقابر الأرقام “الإسرائيلية” وأسماءهم وأماكن احتجازهم، اعتماداً على قانون حرية المعلومات، ومطالبتها بإنشاء بنك الحمض النووي DNA من خلال أخذ عينات من جميع الجثامين المحتجزة وعائلاتهم وفحصها والاحتفاظ بنتائجها، بهدف التأكد من هوية كلّ جثمان عند إعادته إلى ذويه، وللتغلب على إشكالية ادعاء قيادة جيش الاحتلال بفقدان بعض الجثامين.

 فيما تقوم قيادة الحملة بالتوازي مع جهود الدائرة القانونية بجمع التوكيلات من عائلات الشهداء المحتجزة جثامينهم تمكّن الدائرة القانونية من تمثيل مطالبهم باستردادهم، وقد وجاءت ردود قيادة الجيش “الإسرائيلي” على المراسلات القانونية بأنّ ما تبقى في مقبرة الأرقام التي تشرف عليها هو 119 جثمانا فقط، فيما تؤكد وثائق الحملة بأن هناك أكثر.

حسب إحصائيات مركز القدس للمساعدات القانونية، يتضح أن 6.7% هي نسبة الشهداء المحتجزة جثامينهم ما دون سنة الثامنة عشرة، و7% منهم فوق سن ال35 عاماً، و68% هي نسبة من تتراوح أعمارهم ما بين 18-25عاماً، في حين 17% منهم تتراوح أعمارهم ما بين 26-35عاماً.

هؤلاء هم الشهداء الأسرى في بلادهم، من لا يمتلكون قبوراً ويحتجزون في إحدى مقابر الأرقام، والتي تعتبر مناطق عسكرية لا يسمح للفلسطينيين بدخولها ولا تعرف مواقعها بشكل دقيق، واحتجاز الاحتلال لهم يخلق شعوراً لدى عائلاتهم وأحبائهم بأنهم أسرى، من النوع الحر الذي حين عودته لبلاده ودفنه في مقبرةٍ قرب منزل والدته إن كانت لا تزال على قيد الحياة يعدّ من النوع العظيم من الحرية.

حملة استرداد جثامين الشهداء حققت إنجازات كبيرة فعام 2010 حققت الحملة أول إنجاز، باسترداد جثمان الشهيد مشهور طلب العاروري المحتجز منذ 34 عاماً، وتواصلت الانجازات لتستلم عائلةٌ الشهيد حافظ أبو زنط جثمان ابنها عقب 35 عاماً من الاحتجاز، كما وتمكنت الحملة كذلك من عام 2012 من تسلم جثمان 91 شهيد، والتعرف عليهم بالأسماء.

واليوم أطلقت الحملة هاشتاغ بعنوان “بدنا ولادنا” يطالب باسترداد حرية 253 شهيد وشهيدة، محتجزة جثامينهم لدى مقابر الأرقام، وما يقارب ال28 شهيداً محتجزاً في ثلاجات الاحتلال، و58 شهيداً مفقوداً، وهذه الأرقام تحمل خلفها أوجاع كتمت أنفاس عائلات بأكملها، حتى حرية جثمان لا إنسان بنفسٍ ودم.

عبد العزيز محمود سليم طه الذي حكم سابقاً مدة 99 عاماً، ثم نال حريته في صفقة تبادل الأسرى مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1985، يعيش حالياً في الأردن رفقة رزم من الذكريات التي أنهكت ذاكرته وصحته وحياته والتي حين يستدعيها تؤرق عواطفه، فهو الناجي الوحيد من معركة يحتجز فيها أصدقاؤه في سجون مقابر الأرقام أسرى تناشد جثامينهم الحرية.

عبد العزيز طه لا يمتلك أرشيفاً تاريخياً في بلادٍ دافع عنها، ولا أصدقاؤه الذين اكتشف برفقة الدليل السياحي الذي عثر عليه أنور دوابشة أسماءهم الحقيقية، بعد أن كان يحتفظ بهم في ذاكرته بأسمائهم الحركية، لا أرشيف لأصدقائه شهداء مقابر الأرقام، عبد اللطيف دوابشة، والشهيد سعيد أبو عون، الشهيد أمين أبو شنب، الشهيد ياسر حوتري، الشهيد أحمد سالم، وثلاثة آخرين لم تعرف أسماؤهم بعد.

لا لوحة في بلادهم تذكر تضحياتهم، وحتى لم تتمكن عائلاتهم من دفنهم بالطريقة الصحيحة بعد، لم يتسلمهم ذووهم، لم تقرأ عليهم الفاتحة عند قبورهم في بلداتهم متفرقة، لم تسر جنازاتهم في الشوارع، أسرى بلا عناوين وبلا أسماء، وبلا أرشيفٍ أو تكريمٍ حتى.

يقول الناجي من مجموعته في معركة الواد الأحمر في منطقة الأغوار، عبد العزيز طه” أكون على قدرٍ من الحياة والبقاء والفرح حين أجد من شعبي من يهتم بسيرة الشهداء، لقد سطّروا لأجلكم بأجسادهم تضحياتٍ عظيمة، بدمائهم سيبزغ نور فجر التحرر من العبودية، بأجسادهم ستنبت شجرة الخلد”.

يضيف الحاج الستيني عبد العزيز طه” ضعفت ذاكرتي هذه الأيام، لكني لا زلت أتذكر تسارع تلك الأيام، كنا نتسابق لتنفيذ العمليات الفدائية، نجتاز نهر الأردن(الشريعة) نجتاز كذلك عمليات التدريب الحي، وبعد تيقن القائد من مقدرتنا على عبور الطريق نذهب صوب بلادنا”.

نشرت الحملة الوطنية التي أطلقها مركز القدس للمساعدات القانونية كتاباً بعنوان “لنا سماء لنا وطن”، يشرح تفصيلياً قصص شهداء محتجزين أسرى في مقابر الأرقام، وقصص من عادوا منهم، أرشيف أنصف هؤلاء الذين قدموا دماءهم لأجل بلادهم، في حين لا تزال الطرق التي اجتازوها والمعارك التي خاضوها في مناطق يعرف بعضها بانتظار يافطة ما تشرح تاريخهم وأرواحهم بأسمائها التي ارتقت وبقيت الأجساد أسيرة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى